بنها المدينة التي يعرفها الجميع من صوت القطار لكن قليلين فقط من يعرفون ما تخفيه شوارعها القديمة خلف هذا الهدوء.
مدينة تبدو بسيطة في عيون المارة بينما تحمل داخلها تاريخاً فرعونياً عريقاً وجامعة تنبض بالحياة ومصانع إلكترونيات كانت يوماً جزءاً من حلم مصر الصناعي الكبير...
في بنها قد تمر بجوار النيل فتشعر بالسكينة ثم تسمع صوت مصنع يعمل منذ عشرات السنين ليذكرك أن هذه المدينة لم تكن يوماً مجرد عاصمة لمحافظة القليوبية بل مدينة صنعت لنفسها شخصية خاصة بين مدن الدلتا.
من “أتريب” القديمة…
إلى “بنها العسل”…
ومن محطات القطار المزدحمة…
إلى خطوط إنتاج الدوائر الإلكترونية الدقيقة…
وتظل بنها مدينة مليئة بالحكايات التي لا يراها من يمر عليها سريعاً.
وفي هذه الجولة…
سنقترب أكثر من المدينة التي جمعت بين التاريخ والصناعة والبساطة وظلت رغم كل شيء محتفظة بروحها الهادئة القريبة من الناس.
تبدأ الجولة من محطة القطار…
محطة بنها ليست مجرد رصيف وساعات انتظار لكنها واحدة من أشهر محطات مصر وأكثرها حركة لأن المدينة من زمان وهي نقطة ربط رئيسية بين القاهرة ومدن الدلتا. وكل قطار تقريباً يعرف طريقه إلى بنها.
ثم تمشي قليلًا نحوالكورنيش…
حيث فرع دمياط يعانق المدينة من أطرافها لتبدو بنها وكأنها شبه جزيرة صغيرة تحيطها المياه والزراعة والخضرة. وفي المساء يتحول الكورنيش إلى مساحة هادئة للهروب من زحام الحياة.
لكن بنها ليست فقط مدينة هادئة…
بل مدينة لها تاريخ ضارب في القدم.
فهنا كانت مدينة “أتريب” الأثرية القديمة، إحدى المدن الفرعونية المهمة والتي ما زالت آثارها موجودة في “تل أتريب” وحمامات أتريب الأثرية. ويعود تاريخ المنطقة إلى عصور فرعونية قديمة جدآ.
أما لقبها الأشهر فهو
“بنها العسل”…
لأن المدينة اشتهرت منذ سنوات طويلة بإنتاج عسل النحل عالي الجودة حتى أصبح الاسم مرتبطاً بها في ذاكرة المصريين.
وفي قلب المدينة ستجد جامعة بنها، واحدة من أهم الجامعات في الدلتا والتي جعلت المدينة مليئة بالحياة والشباب والحركة اليومية.
بنها ليست مدينة استهلاكية فقط بل مدينة إنتاج أيضاً.
فهي معروفة بالصناعات الإلكترونية، وصناعات الغزل والنسيج، وتجهيز المنتجات الزراعية، إلى جانب كونها مركزاً مهماً لتجارة الدواجن في مصر. كما تشتهر المناطق المحيطة بها بزراعة القطن والقمح والموالح والعنب.
وفي منطقة أتريب نشأت واحدة من أقدم قلاع الصناعات الإلكترونية في مصر وهي شركة بنها للصناعات الإلكترونية التي بدأت منذ ستينيات القرن الماضي لتصبح مع الوقت اسماً مهماً في مجال تصنيع الإلكترونيات المدنية والعسكرية...هذه الشركة لم تكن مجرد مصنع عادي بل كانت جزءاً من حلم مصري قديم بأن تمتلك الدولة صناعة إلكترونية حقيقية بدلًا من الاكتفاء بالاستيراد.
ولهذا دخلت الشركة في تصنيع وتجميع العديد من المنتجات
فهناك داخل المصانع…
لا نتحدث عن مجرد بيع أجهزة أو تجميع بسيط بل عن تصنيع حقيقي يبدأ من الدوائر الإلكترونية الدقيقة وحتى أجهزة الاتصالات وأنظمة المراقبة والشاشات الإلكترونية.
وتشتهر مصانع بنها بإنتاج لوحات الدوائر المطبوعة وهي القلب الأساسي لأي جهاز إلكتروني حديث سواء كان هاتفاً أو جهاز اتصالات أو معدات تكنولوجية متطورة.
بل إن بعض خطوط الإنتاج قادرة على تصنيع دوائر متعددة الطبقات بتقنيات دقيقة ومتقدمة.
ومع قرب المدينة من القاهرة وشبكات النقل والسكك الحديدية أصبحت بنها بيئة مناسبة للصناعات الهندسية والإلكترونية إلى جانب شهرتها الزراعية والتجارية.
ومن الأشياء التي تميز بنها أيضاً…
روح أهلها البسيطة وخفة دمهم المعروفة حتى دخل اسم المدينة في الثقافة الشعبية المصرية من خلال الجملة الشهيرة
“عامل نفسك من بنها؟”
وهي حكاية متداولة بين الناس مرتبطة بقطارات زمان والهروب من دفع التذاكر ....
وبين شوارعها الهادئة والكورنيش، وأصوات القطارات، والمصانع القديمة، والجامعة، والتاريخ المدفون تحت الأرض…
تبدو بنها مدينة مختلفة فعلاً.
مدينة لا تحاول أن تكون صاخبة مثل العاصمة
ولا سياحية مثل المدن الساحلية
لكنها مدينة صنعت لنفسها مكانة خاصة…
مدينة تجمع بين أصالة الدلتا وهدوء الريف ونبض الصناعة المصرية القديمة.
