في عالم الموضه لا تعيش الملابس فوق الأجساد فقط بل تعيش داخل الذاكرة أيضا فهناك قطع لا نتذكر شكلها بقدر ما نتذكر ما عشناه ونحن نرتديها ولهذا تصبح الموضه أحيانا أقرب إلى صندوق أسرار كبير يحتفظ بلحظات لا يمكن أن تعود وبمشاعر لا يمكن أن تتكرر وبأيام تركت أثرها في القلب قبل أن تترك أثرها في الصور
كل إنسان يملك قطعة ملابس قديمة لا يستطيع التخلي عنها مهما مر عليها الزمن ليس لأنها الأغلى ولا لأنها الأجمل ولكن لأنها تحمل جزءا من حكايته تحمل ضحكة قديمة أو نجاحا انتظره طويلا أو لقاء لا ينسى أو حتى لحظة كان فيها أكثر قوة وأكثر ثقة وأكثر قربا من نفسه
الموضه ليست فقط ما نشتريه اليوم بل ما يبقى معنا من الأمس لأن بعض الملابس تتحول مع الوقت إلى شهود على مراحل كاملة من حياتنا قطعة كانت معنا في بداية طريق وقطعة رافقتنا في مناسبة غيرت أشياء كثيرة وقطعة أخرى ارتبطت بأشخاص رحلوا لكن ذكراهم بقيت عالقة بين خيوط القماش
ولهذا فإن الموضه الحقيقية ليست سباقا خلف الجديد بل علاقة طويلة بين الإنسان وما يرتديه علاقة تتغير وتنضج وتكبر مع السنوات فالقطعة التي كانت تعجبنا في عمر معين قد لا تعجبنا بعد سنوات لأننا نحن أنفسنا تغيرنا وأصبحنا نبحث عن شيء آخر يعبر عنا بشكل أصدق
وفي كل موسم تظهر اتجاهات جديدة وألوان مختلفة وتصميمات لم تكن موجودة من قبل لكن الشيء الذي لا يتغير هو رغبة الإنسان في أن يجد نفسه داخل ما يرتديه لأن الموضه في جوهرها ليست تقليدا لأحد بل محاولة دائمة للعثور على صورة أقرب للروح
المرأة تعرف هذا جيدا فهي لا تختار ملابسها بعينيها فقط بل بإحساسها أيضا قد ترى عشرات القطع لكنها تتوقف أمام قطعة واحدة لأنها شعرت بشيء مختلف تجاهها وكأنها وجدت فيها جزءا من شخصيتها أو انعكاسا لحالة تعيشها أو حلما ترغب في الاقتراب منه
والرجل أيضا يحمل علاقته الخاصة بالموضه حتى لو لم يتحدث عنها كثيرا فهو يعرف أن هناك ملابس تمنحه شعورا بالثقة وأخرى تمنحه راحة لا يجدها في غيرها وأن طريقة ارتداء الشيء قد تكون أحيانا أكثر أهمية من الشيء نفسه
الموضه ليست ألوانا فقط وليست قصات فقط وليست أسماء علامات تجارية تلمع في الإعلانات الموضه هي التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإنسان يشعر بأنه مرتاح في جلده وبأنه لا يحتاج إلى التظاهر أو التقليد أو الاختباء خلف صورة لا تشبهه
ومع مرور السنوات يدرك الكثيرون أن أجمل ما في الموضه ليس ما يلفت الأنظار بل ما يبقى في الذاكرة لأن الأناقة الحقيقية لا تصنعها الأسعار ولا الشعارات الكبيرة بل يصنعها ذلك الانسجام الهادئ بين الإنسان وما يرتديه وذلك الشعور الخفي الذي يخبره بأنه اختار ما يناسبه فعلا
تبقى الموضه أكثر من مجرد صناعة وأكثر من مجرد اتجاهات موسمية تبقى سجلا غير مكتوب لحياة كاملة تسير معنا من مرحلة إلى أخرى وتحمل فوق خيوطها حكايات لا يعرفها أحد سوانا ولذلك فإن بعض الملابس لا تصبح قديمة أبدا لأنها ببساطة لم تعد مجرد ملابس بل أصبحت جزءا من الذاكرة وجزءا من العمر وجزءا من الإنسان نفسه الذي ما زال يكتشف مع كل يوم جديد أن الموضه ليست ما نرتديه فقط بل ما يبقى منا داخل ما نرتديه.
ذاكرة القماش
بقلم/ميرنا حسن
